جيرار جهامي ، سميح دغيم

3175

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

يلتمسون المعرفة المباشرة برياضة النفس على قمع الشهوات ، وعندهم أن شهوات الإنسان هي الحائل بينه وبين النور . فإذا ملك زمامها وأفلت من قيودها تكشّف له النور ووصل إلى مرتبة العارفين ، وأغناه صفاء النفس عن دراسة الدارسين وبحوث الباحثين . ( العقاد ، التفكير فريضة إسلامية ، 141 ، 12 ) . - الصوفية من حيث علاقتها بالدنيا نوعان كما تقدّم : نوع يرفضها لأنها وهم وغشاوة مزيّفة كالطلاء الذي يوضع على المعدن الخسيس ليخيّل إلى الأنظار أنه معدن نفيس ، ونوع آخر يخوض غمار الدنيا ليبتليها ويمتحن نفسه بتجاربها وغواياتها ، وعنده أنها جميلة لأنها من خلق اللّه ، وكل ما يخلقه اللّه جميل . وهذا النوع من الصوفية أقرب أنواعها إلى الإسلام ، وليس على المسلم حرج أن يرى للدنيا ظاهرا خدّاعا وباطنا صادقا أجمل من ظاهرها ، فإن قصة الخضر مع موسى عليهما السّلام تدور كلها على التفرقة بين الظواهر والبواطن في الأحكام والنيّات . ( العقاد ، التفكير فريضة إسلامية ، 142 ، 12 ) . - الصوفية . . . إمّا أن تكون أصيلة ، وإمّا زائفة . والصوفية الأصيلة على نوعين : صوفية وجدت بالفعل فحظيت بنعمة الوجود ونعيمه ، وصوفية لم تجد بعد ، وما زالت تعاني ألم التحرّق وعذاب الوجد والتلمّس والشوق والحنين . وإذا كانت الأولى تستطيع أن تسمّي الحقيقة باسمها وتشرحها ، فإن الثانية لا تستطيع ذلك ، وهي ما تزال تائهة في بحر الظلمات . أمّا نزوعها إلى التذرّع بالمجهول ، وباللامدرك ، وقولها باللّامعلوم ، واللّامعقول ، وتأكيدها على أن ما تعنيه شيء يتحدّى التسميات والشروح ، فكل هذا يدلّ على أن تلك الصوفية ما تزال في حال من الشوق والتوق ، لا تبرح ولا تحوّل ، كما يؤكّد أنها لم تنل بعد ما تدّعي أنه يتخطّى الإدراك والمعرفة والتسمية . ذلك أنها لو كانت بالفعل قد أصابت ذلك الأمر بالعيد المنال ، لبادرت إلى تسميته باسمه ؛ أو تكون قد نالته فأعرضت عن تسميته لسبب ما ، واستحيت في التعبير عنه والشهادة بوجوده ، ومن كان يستحيي في التعبير عن أمر من الأمور فهو غريب عنه بعيد ، ليس أهلا له ولا حقّ له فيه ؛ أو تكون أخيرا قد نالت شيئا آخر ، بوسيلة ما ، وهي تعرف حق المعرفة أنه ليس هو المنشود ؛ وغنيّ عن الإشارة إلى أن هذه الصوفية التي تدّعي بلوغ المنال في هاتين الحالتين ، هي صوفية لم تنل . ( شارل مالك ، المقدمة ، 215 ، 9 ) . * في الفكر النقدي - أما ضمن السياق الحالي للمجتمعات الإسلامية ، فمن الصعب أن نقدّر بالضبط حجم وأهمية ما لا نزال ندعوه ، خطأ ، بالصوفية . فالصوفية مثلها في ذلك مثل الدين في مجمله مرتبطة بالنظام الثقافي والسياسي الذي تتجلّى داخله . وحركة الأدلجة الضخمة التي تصيب الإسلام والمشار إليها آنفا قد لحقت بالصوفية أيضا . نقول ذلك وخصوصا أن الدول القومية الناشئة بعد الاستقلال حذرة من انبعاث الظاهرة المرابطية . وبالتالي